فصل: تفسير الآيات رقم (43- 50)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ***


سورة الجاثية

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 3‏]‏

‏{‏حم ‏(‏1‏)‏ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ‏(‏2‏)‏ إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ‏(‏3‏)‏‏}‏

‏{‏حم‏}‏‏.‏

‏{‏تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم‏}‏‏.‏

‏{‏إنَّ في السموات والأرض‏}‏ أَيْ‏:‏ إنَّ في خلقهما ‏{‏لآيات‏}‏ لدلالاتٍ على قدرة الله وتوحيده‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏6- 11‏]‏

‏{‏تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ‏(‏6‏)‏ وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ‏(‏7‏)‏ يَسْمَعُ آَيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ‏(‏8‏)‏ وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آَيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ‏(‏9‏)‏ مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ‏(‏10‏)‏ هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ ‏(‏11‏)‏‏}‏

‏{‏فبأيِّ حديث بعد الله‏}‏ أَيْ‏:‏ بعد حديث الله وكتابه ‏{‏يؤمنون‏}‏‏.‏

‏{‏ويلٌ لكلِّ أفاك أثيم‏}‏ كذَّاب صاحب إثمٍ‏.‏

‏{‏يسمع آيات الله تتلى عليه ثمَّ يصرُّ‏}‏ يُقيم على كفره ‏{‏مستكبراً‏}‏ مُتعظِّماً عن الإيمان به‏.‏

‏{‏وإذا علم من آياتنا شيئاً اتخذها هزواً‏}‏ استهزأ بها‏.‏

‏{‏ومن ورائهم‏}‏ أمامهم ‏{‏جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا‏}‏ من الأموال ‏{‏شيئاً‏}‏‏.‏

‏{‏هذا هدى‏}‏ أَيْ‏:‏ هذا القرآن هدىً‏.‏ ‏{‏والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذابٌ من رجز أليم‏}‏ مُؤلمٌ مُوجعٌ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏13- 14‏]‏

‏{‏وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ‏(‏13‏)‏ قُلْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ‏(‏14‏)‏‏}‏

‏{‏جميعاً منه‏}‏ أيْ‏:‏ كلُّ ذلك تفضُّلٌ منه وإحسانٌ‏.‏

‏{‏قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله‏}‏ نزلت قبل الأمر بالقتال يقول‏:‏ قل لهم يصفحوا عن المشركين الذين لا يخافون عقوبته الله وعذابه ‏{‏ليجزي قوماً‏}‏ أَيْ‏:‏ ليجزيهم ‏{‏بما كانوا يكسبون‏}‏ من سوء أعمالهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏16- 21‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ آَتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ‏(‏16‏)‏ وَآَتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ‏(‏17‏)‏ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏18‏)‏ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ ‏(‏19‏)‏ هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ‏(‏20‏)‏ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ‏(‏21‏)‏‏}‏

‏{‏ورزقناهم من الطيبات‏}‏ أَيْ‏:‏ المنِّ والسَّلوى‏.‏

‏{‏وآتيناهم بينات من الأمر‏}‏ يعني‏:‏ أحكام التَّوراة، وبيان أمر النبيِّ عليه السَّلام ‏{‏فما اختلفوا‏}‏ في نبوَّته ‏{‏إلاَّ من بعد ما جاءهم العلم‏}‏ يعني‏:‏ ما علموه من شأنه‏.‏ ‏{‏بغياً بينهم‏}‏ حسداً منهم له‏.‏

‏{‏ثم جعلناك على شريعة‏}‏ مذهبٍ وملَّةٍ ‏{‏من الأمر‏}‏ من الدِّين ‏{‏فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون‏}‏ مراد الكافرين‏.‏

‏{‏إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً‏}‏ لن يدفعوا عنك عذاب الله إن اتَّبعت أهواءهم‏.‏

‏{‏هذا‏}‏ إشارةٌ إلى القرآن ‏{‏بصائر‏}‏ معالم ‏{‏للناس‏}‏ في الحدود والأحكام يبصرون بها‏.‏

‏{‏أم حسب الذين اجترحوا السيئات‏}‏ اكتسبوا الكفر والمعاصي ‏{‏أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم‏}‏ مُستوياً حياتهم وموتهم، أَيْ‏:‏ المؤمنُ مؤمنٌ حياً وميتاً، والكافر كافرٌ حياً وميتاً، فلا يستويان ‏{‏ساء ما يحكمون‏}‏ بئس ما يقضون إذ حسبوا أنَّهم كالمؤمنين، نزلت هذه الآية حين قال المشركون‏:‏ لئن كان ما تقولون حقاً لنفضلنَّ عليكم في الآخرة، كما فضلنا عليكم في الدُّنيا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏23- 26‏]‏

‏{‏أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ‏(‏23‏)‏ وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ‏(‏24‏)‏ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآَبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏25‏)‏ قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏26‏)‏‏}‏

‏{‏أفرأيت من اتخذ إله هواه‏}‏ أَيْ‏:‏ الكافر اتَّخذ دينه ما يهواه، فلا يهوى شيئاً إلاَّ ركبه‏.‏ ‏{‏وأضله الله على علم‏}‏ على ما سبق في علمه قبل أن يخلقه ‏[‏أنَّه ضالٌّ‏]‏‏.‏ وباقي الآية مُفسَّر في أوَّل سورة البقرة‏.‏

‏{‏وقالوا‏}‏ يعني‏:‏ منكري البعث‏:‏ ‏{‏ما هي إلاَّ حياتنا الدنيا‏}‏ أَيْ‏:‏ ما الحياة إلاَّ هذه الحياة في دار الدُّنيا ‏{‏نموت‏}‏ نحن ‏{‏ونحيا‏}‏ أولادنا ‏{‏وما يهلكنا إلاَّ الدهر‏}‏ أَيْ‏:‏ ما يفنينا إلاَّ مرُّ الزَّمان‏.‏ ‏{‏وما لهم بذلك من علم‏}‏ أَيْ‏:‏ الذين يقولون‏.‏ ‏{‏إن هم إلاَّ يظنون‏}‏ ما هم إلاَّ ظانِّين ما يقولون‏.‏

‏{‏وإذا تتلى عليهم آياتنا‏}‏ أَدلَّتنا في قدرتنا على البعث ‏{‏بينات‏}‏ واضحاتٍ ‏{‏وما كان حجَّتهم إلاَّ أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين‏}‏ أنَّا نُبعث بعد الموت‏.‏ وقوله‏:‏

‏{‏ثمَّ يجمعكم إلى يوم القيامة‏}‏ أَيْ‏:‏ مع ذلك اليوم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏28- 29‏]‏

‏{‏وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏28‏)‏ هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏29‏)‏‏}‏

‏{‏وترى كلَّ أمة‏}‏ كلَّ أهلِ دينٍ ‏{‏جاثية‏}‏ مُجتمعةً للحساب‏.‏ وقيل‏:‏ جالسةً على الرُّكَب من هول ذلك اليوم‏.‏

‏{‏هذا كتابنا ينطق‏}‏ أَيْ‏:‏ ديوان الحفظة ‏{‏إنا كنا نَستنسِخُ‏}‏ نأمر بنسخ ‏{‏ما كنتم تعملون‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏34- 35‏]‏

‏{‏وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ‏(‏34‏)‏ ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ‏(‏35‏)‏‏}‏

‏{‏وقيل اليوم ننساكم‏}‏ نترككم في العذاب كما تركتم الإيمان والعمل ليومكم هذا وقوله‏:‏

‏{‏ولا هم يستعتبون‏}‏ أَيْ‏:‏ لا يُلتمس منهم عمل ولا طاعة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏37‏]‏

‏{‏وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏37‏)‏‏}‏

‏{‏وله الكبرياء‏}‏ العظمة ‏{‏في السموات والأرض‏}‏ أَيْ‏:‏ إنَّه يُعظَّم بالعبادة في السموات والأرض ‏{‏وهو العزيز الحكيم‏}‏‏.‏

سورة الأحقاف

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 6‏]‏

‏{‏حم ‏(‏1‏)‏ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ‏(‏2‏)‏ مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ ‏(‏3‏)‏ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏4‏)‏ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ‏(‏5‏)‏ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ‏(‏6‏)‏‏}‏

‏{‏حم‏}‏

‏{‏تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم‏}‏‏.‏

‏{‏ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلاَّ بالحق‏}‏ أَيْ‏:‏ للحقِّ، ولإِقامة الحقِّ ‏{‏وأجل مسمَّى‏}‏ تفنى عند انقضاء ذلك الأجل ‏{‏والذين كفروا عما أنذروا معرضون‏}‏ أعرضوا بعدما قامت عليهم الحجَّة بخلق الله السَّموات والأرض، ثمَّ طالبهم بالدَّليل على عبادة الأوثان، فقال‏:‏

‏{‏قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات‏}‏ أَيْ‏:‏ مشاركةٌ مع الله في خلقهما لذلك أشركتموهم في عبادته ‏{‏ائتوني بكتاب من قبل هذا‏}‏ ‏[‏أَيْ‏:‏ من قَبْلِ‏]‏ القرآن فيه بيان ما تقولون ‏{‏أو أثارة من علم‏}‏ روايةٍ عن الأنبياء أنَّهم أَمروا بعبادة غير الله، فلمَّا قامت عليهم الحجَّة جعلهم أضلَّ الخلق، فقال‏:‏

‏{‏ومَنْ أضلُّ ممن يدعو من دون الله مَنْ لا يستجيب له إلى يوم القيامة‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ أَيْ‏:‏ أبداً‏.‏ الآية‏.‏

‏{‏وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداءً‏}‏ عادوا معبوديهم؛ لأنَّهم بسببهم وقعوا في الهلكة، وجحد المعبودون عبادتهم، وهو قوله‏:‏ ‏{‏وكانوا بعبادتهم كافرين‏}‏ كقوله‏:‏ ‏{‏تبرَّأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون‏.‏‏}‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏8- 12‏]‏

‏{‏أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ‏(‏8‏)‏ قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ ‏(‏9‏)‏ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآَمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ‏(‏10‏)‏ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ ‏(‏11‏)‏ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ ‏(‏12‏)‏‏}‏

‏{‏قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئاً‏}‏ أَيْ‏:‏ عذَّبني على افترائي لم تملكوا دفعه، وإذا كنتم كذلك لم أفتر على الله من أجلكم ‏{‏هو أعلم بما تفيضون فيه‏}‏ تخوضون فيه من الإفك‏.‏ ‏{‏وهو الغفور‏}‏ لمَنْ تاب ‏{‏الرحيم‏}‏ به‏.‏

‏{‏قل ما كنت بدعاً‏}‏ بديعاً ‏{‏من الرسل‏}‏ أَيْ‏:‏ لستُ بأوَّل مرسل فتنكروا نبوَّتي، ‏{‏وما أدري ما يفعل بي‏}‏ إلى إيش يصير أمري معكم، أتقتلونني أم تخرجونني ‏{‏ولا بكم‏}‏ أَتُعذِّبون بالخسف أم الحجارة، والمعنى‏:‏ ما أدري إلى ماذا يصير أمري وأمركم في الدُّنيا‏.‏

‏{‏قل أرأيتم إن كان‏}‏ القرآن ‏{‏من عند الله وكفرتم به وشهد شاهدٌ من بني إسرائيل‏}‏ يعني‏:‏ عبد الله بن سلام ‏{‏على مثله‏}‏ على مثل ما شهد عليه القرآن من تصديق محمَّد عليه السَّلام ‏{‏فآمن‏}‏ ذلك الرَّجل ‏{‏واستكبرتم‏}‏ عن الإيمان‏.‏

‏{‏وقال الذين كفروا‏}‏ من اليهود‏:‏ ‏{‏لو كان‏}‏ دين محمَّدٍ ‏{‏خيراً ما سبقونا إليه‏}‏ يعنون‏:‏ عبد الله بن سلام وأصحابه ‏{‏وإذ لم يهتدوا به‏}‏ بالقرآن كما اهتدى به أهل الإيمان ‏{‏فسيقولون هذا إفكٌ قديم‏}‏ كما قالوا‏:‏ أساطير الأوَّلين‏.‏

‏{‏ومن قبله‏}‏ ومن قبل القرآن ‏{‏كتاب موسى‏}‏ التَّوراة ‏{‏إماماً ورحمة وهذا كتاب‏}‏ أَيْ‏:‏ القرآن ‏{‏مصدق‏}‏ أَيْ‏:‏ مصدِّقٌ لما بين يديه لما تقدَّم من الكتب ‏{‏لساناً عربياً‏}‏ نصب على الحال‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏15‏]‏

‏{‏وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ‏(‏15‏)‏‏}‏

‏{‏حملته أمه كرهاً‏}‏ على مشقَّةٍ ‏{‏ووضعته كرهاً‏}‏ أَيْ‏:‏ على مشقَّةٍ ‏{‏وحمله وفصاله ثلاثون شهراً‏}‏ أقلُّ الحمل ستة أشهر، والفِصال‏:‏ الفِطام، ويكون ذلك بعد حولين ‏{‏حتى إذا بلغ أشده‏}‏ غاية شبابه، وهي ثلاثٌ وثلاثون سنةً ‏{‏وبلغ أربعين سنةً قال‏:‏ ربِّ أوزعني‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ نزلت في أبي بكر رضي الله عنه، وذلك أنَّه لمَّا بلغ أربعين سنةً آمن بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وآمن أبواه، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والدي‏}‏ أَيْ‏:‏ بالإِيمان ‏{‏وأصلح لي في ذريتي‏}‏ بأن تجعلهم مؤمنين، فاستجاب الله له في أولاده فأسلموا، ولم يكن أحدٌ من الصَّحابة أسلم هو وأبواه وبنوه وبناته إلاَّ أبو بكر رضي الله عنه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏17- 26‏]‏

‏{‏وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آَمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ‏(‏17‏)‏ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ ‏(‏18‏)‏ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ‏(‏19‏)‏ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ‏(‏20‏)‏ وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ‏(‏21‏)‏ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آَلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ‏(‏22‏)‏ قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ‏(‏23‏)‏ فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏24‏)‏ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ‏(‏25‏)‏ وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ‏(‏26‏)‏‏}‏

‏{‏والذي قال لوالديه‏}‏ نزلت في كافرٍ عاقٍّ قال لوالديه‏:‏ ‏{‏أَتَعِدانِني أن أخرج‏}‏ من قبري حيَّاً ‏{‏وقد خلت القرون من قبلي‏}‏ فلم يُبعث منهم أحدٌ ‏{‏وهما يستغيثان الله‏}‏ يعني‏:‏ والديه يستغيثان بالله على إيمان ولدهما، ويقولان له‏:‏ ‏{‏ويلك آمن إنَّ وعد الله حق فيقول‏:‏ ما هذا‏}‏ الذي تدعونني إليه ‏{‏إلاَّ أساطير الأولين‏}‏‏.‏

‏{‏أولئك الذين‏}‏ أَيْ‏:‏ مَنْ كان بهذه الصِّفة فهم الذين ‏{‏حق عليهم القول‏}‏ وجب عليهم العذاب ‏{‏في أمم‏}‏ كافرةٍ‏.‏ ‏{‏من الجن والإِنس‏}‏‏.‏

‏{‏ولكلٍّ‏}‏ من المؤمنين والكافرين ‏{‏درجات‏}‏ منازل ومراتب من الثَّواب والعقاب ‏{‏ممَّا عملوا‏}‏‏.‏

‏{‏ويوم يعرض الذين كفروا على النار‏}‏ فيقال لهم‏:‏ ‏{‏أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها‏}‏ وذلك أنَّهم يفعلون ما يشتهون، لا يَتَوَقَّوْن حراماً، ولا يجتنبون مأثماً ‏{‏فاليوم تجزون عذاب الهون‏}‏ الهوان‏.‏ الآية‏.‏

‏{‏واذكر أخا عاد‏}‏ يعني‏:‏ هوداً ‏{‏إذ أنذر قومه بالأحقاف‏}‏ أَيْ‏:‏ منازلهم ‏{‏وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه‏}‏ أَيْ‏:‏ قد أُنذروا بالعذاب أنْ عَبَدوا غيرَ الله قبل إنذار هود وبعده‏.‏

‏{‏قالوا أجئتنا لتأفكنا‏}‏ لتصرفنا ‏{‏عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا‏}‏ من العذاب ‏{‏إن كنت من الصادقين‏}‏‏.‏

‏{‏قال‏:‏ إنما العلم عند الله‏}‏ هو يعلم متى يأتيكم العذاب، ‏{‏و‏}‏ إنما أنا مُبلِّغٌ ‏{‏أبلغكم ما أرسلت به ولكني أراكم قوماً تجهلون‏}‏ مراشدكم حين أدلُّكم على الرَّشاد وأنتم تُعرضون‏.‏

‏{‏فلما رأوه‏}‏ أَيْ‏:‏ السَّحاب ‏{‏عارضاً‏}‏ قد عرض في السماء ‏{‏مستقبل أوديتهم‏}‏ يأتي من قبلها‏.‏ ‏{‏قالوا هذا عارض ممطرنا‏}‏ سحابٌ يمطر علينا‏.‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏بل هو ما أستعجلتم به‏}‏ من العذاب‏.‏

‏{‏تدمّر‏}‏ تُهلك ‏{‏كلَّ شيء‏}‏ مرَّت به من الرِّجال والدَّوابِّ‏.‏ ‏{‏فأصبحوا لا يُرى‏}‏ أشخاصهم ‏{‏إلاَّ مساكنهم‏}‏ لأنَّ الرِّيح أهلكتهم وفرَّقتهم، وبقيت مساكنهم خاليةً‏.‏

‏{‏ولقد مكَّناهم‏}‏ من القوَّة والعمر والمال ‏{‏فيما إن مكَّناكم فيه‏}‏ في الذي ما مكَّنَّاكم فيه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏27- 29‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ‏(‏27‏)‏ فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آَلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ‏(‏28‏)‏ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ‏(‏29‏)‏‏}‏

‏{‏ولقد أهلكنا ما حولكم‏}‏ يا أهل مكَّة ‏{‏من القرى‏}‏ كحجر ثمود وقرى قوم لوط ‏{‏وصرَّفنا الآيات‏}‏ بيَّنا الدَّلالات ‏{‏لعلهم يرجعون‏}‏ عن كفرهم‏.‏ يعني‏:‏ الأمم المهلكة‏.‏

‏{‏فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قرباناً آلهة‏}‏ يعني‏:‏ أوثانهم الذين اتَّخذوها آلهةَ يتقرَّبون بها إلى الله‏.‏ ‏{‏بل ضلوا عنهم‏}‏ بطلوا عند نزول العذاب ‏{‏وذلك إفكهم‏}‏ أَيْ‏:‏ كذبهم وكفرهم‏.‏ يعني‏:‏ قولهم‏:‏ إنَّها تُقرِّبنا إلى الله‏.‏

‏{‏وإذْ صرفنا إليك نفراً من الجن‏}‏ كانوا تسعة نفرٍ من الجنِّ من نينوى من أرض الموصل، وذلك أنَّه عليه السَّلام أُمر أن يُنذر الجنَّ، فصرف إليه نفرٌ منهم ليتسمعوا ويبلِّغوا قومهم‏.‏ ‏{‏فلما حضروه‏}‏ قال بعضهم لبعض‏:‏ ‏{‏أنصتوا‏}‏ أَيْ‏:‏ اسكتوا ‏{‏فلما قضي‏}‏ أَيْ‏:‏ فرغ من تلاوة القرآن رجعوا ‏{‏إلى قومهم منذرين‏}‏؛ وقالوا لهم ما قصَّ الله في كتابه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏33‏]‏

‏{‏أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏33‏)‏‏}‏

‏{‏ولم يعي بخلقهن‏}‏ أَيْ‏:‏ لم يضعف عن إبداعهنَّ‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏35‏]‏

‏{‏فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ ‏(‏35‏)‏‏}‏

‏{‏فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل‏}‏ أَيْ‏:‏ ذوو الرَّأي والجدِّ، وكلّهم أولو العزم إلاَّ يونس‏.‏ وقيل‏:‏ هم أصحاب الشَّرائع نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد منهم صلى الله عليهم أجمعين‏.‏ ‏{‏ولا تستعجل لهم‏}‏ العذاب ‏{‏كأنهم يوم يرون ما يوعدون‏}‏ من العذاب في الآخرة ‏{‏لم يلبثوا‏}‏ في الدُّنيا ‏{‏إلاَّ ساعة من نهار‏}‏ لهولِ ما عاينوا، ونسوا قدر مكثهم في الدُّنيا‏.‏ ‏{‏بلاغ‏}‏ أَيْ‏:‏ هذا القرآن بلاغٌ، أَيْ‏:‏ تبْليغٌ من الله تعالى إليكم على لسان محمَّد عليه السَّلام ‏{‏فهل يهلك إلاَّ القوم الفاسقون‏}‏ أَيْ‏:‏ لا يُهلك مع رحمة الله وتفضُّله إلاَّ الكافرون‏.‏

سورة محمد

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 8‏]‏

‏{‏الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ‏(‏1‏)‏ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآَمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ‏(‏2‏)‏ ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ ‏(‏3‏)‏ فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ‏(‏4‏)‏ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ‏(‏5‏)‏ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ‏(‏6‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ‏(‏7‏)‏ وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ‏(‏8‏)‏‏}‏

‏{‏الذين كفروا‏}‏ أهل مكَّة ‏{‏وصدوا عن سبيل الله‏}‏ ومنعوا النَّاس عن الإيمان بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ‏{‏أضلَّ أعمالهم‏}‏ أحبطها، فلا يرون في ألآخرة لها جزاءً‏.‏ وقوله‏:‏

‏{‏كفَّر عنهم سيئاتهم‏}‏ أَيْ‏:‏ سترها وغفرها لهم ‏{‏وأصلح بالهم‏}‏ أمرهم وحالهم‏.‏

‏{‏ذلك‏}‏ الإِضلال والتَّكفير لاتِّباع الكافرين الباطل، وهو الشَّيطان، واتِّباع المؤمنين الحقَّ، وهو القرآن‏.‏ ‏{‏كذلك يضرب الله للناس أمثالهم‏}‏ أَيْ‏:‏ كالبيان الذي ذُكر يُبيِّن الله للنَّاس أمثال سيئات الكافرين وحسنات المؤمنين‏.‏

‏{‏فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب‏}‏ فاضربوا رقابهم، أَيْ‏:‏ فاقتلوهم ‏{‏حتى إذا أثخنتموهم‏}‏ أكثرتم فيهم القتل ‏{‏فشدوا‏}‏ وثاق الأسارى حتى لا يفلتوا منكم ‏{‏فإمَّا منَّاً بعد‏}‏ أَيْ‏:‏ بعد أن تأسروهم؛ إمَّا مننتم عليهم فأطلقتموهم؛ وإمَّا أن تُفادوهم بمالٍ ‏{‏حتى تَضَعَ الحرب أوزارها‏}‏ أَيْ‏:‏ اقتلوهم وأسروهم حتى لا يبقى كافرٌ يقاتلكم، فتسكن الحرب وتنقطع، وهو معنى قوله‏:‏ ‏{‏تضع الحرب أوزارها‏}‏ أَيْ‏:‏ يضع أهلها آلة الحرب من السِّلاح وغيره، ويدخلوا في الإِسلام أو الذِّمَّة‏.‏ ‏{‏ذلك‏}‏ أَيْ‏:‏ افعلوا ذلك الذي ذكرت ‏{‏ولو يشاء الله لانتصر منهم‏}‏ أهلكهم بغير قتالٍ ‏{‏ولكن ليبلو بعضكم ببعض‏}‏ يمحِّص المؤمنين بالجهاد، ويمحق الكافرين ‏{‏والذين قتلوا في سبيل الله‏}‏ وهم أهل الجهاد‏.‏

‏{‏سيهديهم‏}‏ في الدُّنيا إلى الطَّاعات، وفي الآخرة إلى الدَّرجات ‏{‏ويصلح بالهم‏}‏ أمر معاشهم‏.‏

‏{‏ويدخلهم الجنة عرَّفها لهم‏}‏ بيَّن لهم مساكنهم فيها، وعرَّفهم منازلهم‏.‏

‏{‏يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله‏}‏ أَيْ‏:‏ رسوله ودينه ‏{‏ينصركم ويثبت أقدامكم‏}‏ في مواطن القتال‏.‏

‏{‏والذين كفروا فتعساً لهم‏}‏ أَيْ‏:‏ سقوطاً وهلاكاً ‏{‏وأضلَّ أعمالهم‏}‏ أبطلها؛ لأنَّها كانت للشَّيطان‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏10- 17‏]‏

‏{‏أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ‏(‏10‏)‏ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ ‏(‏11‏)‏ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ ‏(‏12‏)‏ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ ‏(‏13‏)‏ أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ‏(‏14‏)‏ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ ‏(‏15‏)‏ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آَنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ‏(‏16‏)‏ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ‏(‏17‏)‏‏}‏

ثمَّ توعَّدهم فقال‏:‏ ‏{‏أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمَّر الله عليهم وللكافرين أمثالها‏}‏ أَيْ‏:‏ أمثال تلك العاقبة التي كانت لمَنْ قبلهم‏.‏

‏{‏ذلك‏}‏ أَيْ‏:‏ ذلك النَّصر للمؤمنين والهلاك للكافرين ‏{‏بأنَّ الله مولى الذين آمنوا‏}‏ وليُّهم وناصرهم ‏{‏وأن الكافرين لا مولى لهم‏}‏ لا وليَّ لهم ينصرهم من الله‏.‏

‏{‏والذين كفروا يتمتعون‏}‏ في الدُّنيا ‏{‏ويأكلون كما تأكل الأنعام‏}‏ ليس لهم همَّةٌ إلاَّ بطونهم وفروجهم، ثمَّ يصيرون إلى النَّار‏.‏

‏{‏وكأين من قرية هي أشدُّ قوة من قريتك التي أخرجتك‏}‏ يعني‏:‏ مكَّة، أخرجك أهلها ‏{‏أهلكناهم‏}‏ بتكذيبهم الرُّسل ‏{‏فلا ناصر لهم‏}‏‏.‏

‏{‏أفمن كان على بينة من ربه‏}‏ وهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنون ‏{‏كمَنْ زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم‏}‏ وهم أبو جهل والكفَّار‏.‏

‏{‏مثل‏}‏ صفة ‏{‏الجنَّة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماءٍ غير آسن‏}‏ غير متغيِّرِ الرَّائحة ‏{‏وأنهار من خمر لذة للشاربين‏}‏ لذيذة‏.‏

‏{‏ومنهم مَنْ يستمع إليك‏}‏ يعني‏:‏ المنافقين ‏{‏حتى إذا خرجوا من عندك‏}‏ كانوا يستمعون خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا خرجوا سألوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاءً وإعلاماً أنَّهم لم يلتفتوا إلى ما قال، يقولون‏:‏ ‏{‏ماذا قال آنفاً‏}‏ أَيْ‏:‏ الآن‏.‏ وقوله‏:‏

‏{‏وآتاهم تقواهم‏}‏ أَيْ‏:‏ ثواب تقواهم، ويجوز أن يكون المعنى‏:‏ وألهمهم تقواهم ووفَّقهم لها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏18- 22‏]‏

‏{‏فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ ‏(‏18‏)‏ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ‏(‏19‏)‏ وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ ‏(‏20‏)‏ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ‏(‏21‏)‏ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ‏(‏22‏)‏‏}‏

‏{‏فهل ينظرون‏}‏ ينتظرون ‏{‏إلاَّ الساعة‏}‏ القيامة ‏{‏أن تأتيهم بغتة‏}‏ أَيْ‏:‏ هم في الحقيقة كذلك؛ لأنَّه ليس الأمر إلاَّ أن تقوم عليهم السَّاعة بغتةً ‏{‏فقد جاء أشراطها‏}‏ علاماتها من بعث محمد صلى الله عليه وسلم وغيره ‏{‏فأنى لهم إذا جاءتهم‏}‏ السَّاعة ‏{‏ذكراهم‏}‏ أَيْ‏:‏ فمن أين لهم أن يتذكَّروا أو يتوبوا بعد مجيء السَّاعة‏.‏

‏{‏فأعلم أنه لا إله إلاَّ الله‏}‏ أَيْ‏:‏ فاثبت على ذلك من علمك‏.‏ ‏{‏والله يعلم متقلبكم‏}‏ مُتصرِّفكم في أعمالكم وأشغالكم‏.‏ وقيل‏:‏ مُتقلَّبكم من الأصلاب إلى الأرحام‏.‏ ‏{‏ومثواكم‏}‏ مرجعكم في الدُّنيا والآخرة‏.‏

‏{‏ويقول الذين آمنوا‏}‏ حرصاً منهم على الوحي إذا استبطؤوه‏:‏ ‏{‏لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة‏}‏ غير منسوخةٍ ‏{‏وذكر فيها‏}‏ فُرِضَ ‏{‏القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض‏}‏ أَيْ‏:‏ المناققين ‏{‏ينظرون إليك‏}‏ شزراً ‏{‏نظر المغشي عليه من الموت‏}‏ كنظر مَنْ وقع في سكرات الموت، كراهة منهم للقتال‏.‏ ‏{‏فأولى لهم‏}‏‏.‏

‏{‏طاعة وقول معروف‏}‏ أَيْ‏:‏ لو أطاعوا وقالوا لك قولاً حسناً كان ذلك أولى‏.‏ ‏{‏فإذا عزم الأمر‏}‏ أَيْ‏:‏ جدَّ الأمرُ ولزم فرض القتال ‏{‏فلو صدقوا الله‏}‏ في الإِيمان والطَّاعة ‏{‏لكان خيراً لهم‏}‏‏.‏

‏{‏فهل عسيتم إن توليتم‏}‏ أَيْ‏:‏ لعلَّكم إن أعرضتم عمَّا جاء به محمد عليه السَّلام أن تعودوا إلى أمر الجاهليَّة، فيقتل بعضكم بعضاً، وهو قوله‏:‏ ‏{‏أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم‏}‏ أَيْ‏:‏ بالبغي والظُّلم والقتل‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏24- 27‏]‏

‏{‏أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ‏(‏24‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ‏(‏25‏)‏ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ ‏(‏26‏)‏ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ‏(‏27‏)‏‏}‏

‏{‏أفلا يتدبرون القرآن‏}‏ فيتَّعظوا بمواعظه ‏{‏أم على قلوبٍ أقفالها‏}‏ فليس تفهمها‏.‏

‏{‏إنَّ الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى‏}‏ يعني‏:‏ كفَّار أهل الكتاب كفروا بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم وهم يعرفونه ‏{‏الشيطان سؤَّل لهم‏}‏ زيَّن لهم ‏{‏وأملى لهم‏}‏ أطال لهم الأمل‏.‏

‏{‏ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزَّل الله‏}‏ يعني‏:‏ المشركين ‏{‏سنطيعكم في بعض الأمر‏}‏ في التَّظاهر على عداوة محمَّد صلى الله عليه وسلم‏.‏

‏{‏فكيف‏}‏ أَيْ‏:‏ فيكف يكون حالهم ‏{‏إذا توفتهم الملائكة‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏29- 33‏]‏

‏{‏أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ ‏(‏29‏)‏ وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ‏(‏30‏)‏ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ‏(‏31‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ ‏(‏32‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ‏(‏33‏)‏‏}‏

‏{‏أم حسب الذين في قلوبهم مرض‏}‏ وهم المنافقون ‏{‏أن لن يخرج الله أضغانهم‏}‏ لن يظهر الله أحقادهم على النبيِّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين‏.‏

‏{‏ولو نشاء لأريناكهم‏}‏ لعرَّفناكهم ‏{‏فلعرفتهم بسيماهم‏}‏ بعلامتهم ‏{‏ولتعرفنهم في لحن القول‏}‏ في معنى كلامهم إذا تكلَّموا معك‏.‏

‏{‏ولنبلونكم‏}‏ بالجهاد ‏{‏حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين‏}‏ العلم الذي يقع به الجزاء ‏{‏ونبلوا أخباركم‏}‏ أَيْ‏:‏ ونكشف ما تُسرُّون‏.‏

‏{‏إنَّ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ يعني‏:‏ المُطعمين من أصحاب بدرٍ‏.‏ وقوله‏:‏

‏{‏ولا تبطلوا أعمالكم‏}‏ أَيْ‏:‏ بالمنِّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامكم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏35- 38‏]‏

‏{‏فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ‏(‏35‏)‏ إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ ‏(‏36‏)‏ إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ ‏(‏37‏)‏ هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ‏(‏38‏)‏‏}‏

‏{‏وتدعوا إلى السلم‏}‏ أَيْ‏:‏ لا توادعوهم ولا تتركوا قتالهم حتى يُسلموا؛ لأنَّكم الأعلون، ولا ضعف بكم فتدعوا إلى الصُّلح ‏{‏والله معكم‏}‏ بالنُّصرة ‏{‏ولن يتركم أعمالكم‏}‏ لن ينقصكم شيئاً من ثواب أعمالكم‏.‏ وقوله‏:‏

‏{‏ولا يسألكم أموالكم‏}‏ أَيْ‏:‏ لا يسألكم محمَّد عليه السَّلام أموالكم أجراً على تبليغ الرِّسالة‏.‏

‏{‏إن يسألكموها فيحفكم‏}‏ يجهدكم بالمسألة ‏{‏تبخلوا ويخرج أضغانكم‏}‏ ويظهر عداوتكم؛ لأنَّ في مسألة المال ظهور العداوة والحقد‏.‏

‏{‏ها أنتم هؤلاء‏}‏ يا هؤلاء ‏{‏تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم مَنْ يبخل‏}‏ بالصَّدقة ‏{‏ومَنْ يبخل فإنما يبخل عن نفسه‏}‏ لأنَّ له ثواب ما أعطي، فإذا لم يعط لم يستحقَّ الثَّواب ‏{‏والله الغنيُّ‏}‏ عن صدقاتكم ‏{‏وأنتم الفقراء‏}‏ إليها في الآخرة ‏{‏وإن تتولوا‏}‏ عن الرَّسول ‏{‏يستبدل قوماً غيركم‏}‏ أطوع منكم، وهم فارس ‏{‏ثم لا يكونوا‏}‏ في الطَّاعة ‏{‏أمثالكم‏}‏ بل يكونوا أطوع منكم، وهذا الخطاب للعرب‏.‏

سورة الفتح

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 4‏]‏

‏{‏إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ‏(‏1‏)‏ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ‏(‏2‏)‏ وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا ‏(‏3‏)‏ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ‏(‏4‏)‏‏}‏

‏{‏إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً‏}‏ حكمنا لك بإظهار دينك والنُّصرة على عدوِّك، وفتحنا لك أمر الدِّين‏.‏

‏{‏ليغفر لك الله ما تقدَّم من ذنبك‏}‏ ما عملت في الجاهليَّة ‏{‏وما تأخَّر‏}‏ ممَّا لم تعمله وقيل‏:‏ ما تقدَّم من ذنبك، يعني‏:‏ ذنب أبويك آدم وحوَّاء ببركتك، وما تأخَّر من ذنوب أُمَّتك بدعوتك‏.‏ ‏{‏ويتم نعمته عليك‏}‏ بالنُّبوَّة والحكمة ‏{‏ويهديك صراطاً مستقيماً‏}‏ أَيْ‏:‏ يُثبِّتك عليه‏.‏

‏{‏وينصرك الله نصراً عزيزاً‏}‏ ذا عزٍّ لا يقع معه ذلٌّ‏.‏

‏{‏هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين‏}‏ اليقين والطُّمأنينة ‏{‏ليزدادوا إيماناً‏}‏ بشرائع الدِّين ‏{‏مع إيمانهم‏}‏ تصديقهم بالله وبرسوله‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏6‏]‏

‏{‏وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ‏(‏6‏)‏‏}‏

‏{‏الظانين بالله ظنَّ السوء‏}‏ يظنُّون أن لن ينصر الله محمَّداً والمؤمنين ‏{‏عليهم دائرة السوء‏}‏ بالذُّلَّ والعذاب، أَيْ‏:‏ عليهم يدور الهلاك والخزي‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏8- 12‏]‏

‏{‏إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ‏(‏8‏)‏ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ‏(‏9‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ‏(‏10‏)‏ سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ‏(‏11‏)‏ بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا ‏(‏12‏)‏‏}‏

‏{‏إنَّا أرسلناك شاهداً‏}‏ على أُمَّتك يوم القيامة ‏{‏ومبشراً‏}‏ بالجنَّة مَنْ عمل خيراً ‏{‏ونذيراً‏}‏ منذراً بالنَّار مَنْ عمل سوءً‏.‏

‏{‏وتعزروه‏}‏ أَيْ‏:‏ تنصروه ‏{‏وتوقروه‏}‏ وتعظِّموه‏.‏

‏{‏إنَّ الذين يبايعونك‏}‏ بالحديبية ‏{‏إنما يبايعون الله‏}‏ أَيْ‏:‏ أخذك عليهم البيعة عقدُ الله عليهم‏.‏ ‏{‏يد الله فوق أيديهم‏}‏ نعمة الله عليهم فوق ما صنعوا من البيعة‏.‏ ‏{‏فمن نكث‏}‏ نقض البيعة ‏{‏فإنما ينكث على نفسه‏}‏ فإنما يضرُّ نفسه بذلك النَّكث‏.‏

‏{‏سيقول لك المخلفون من الأعراب‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ لمَّا أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم المسير إلى مكَّة عام الحديبية استنفر مَنْ حول المدينة من الأعراب حذراً من قريش أن يعرضوا له بحرب، فتثاقلوا عنه وخافوا قريشاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أنفسهم، فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏سيقول لك المخلفون‏}‏ الذين خلَّفهم الله عن صحبتك إذا انصرفت إليهم فعاتبتهم عن التَّخلُّف‏:‏ ‏{‏شغلتنا‏}‏ عن الخروج معك ‏{‏أموالنا وأهلونا‏}‏ أَيْ‏:‏ ليس لنا مَنْ يقوم فيها إذا خرجنا ‏{‏فاستغفر لنا‏}‏ تركنا الخروج معك، ثمَّ كذَّبهم الله تعالى في ذلك العذر، فقال‏:‏ ‏{‏يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏

‏{‏بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً‏}‏ وذلك أنَّهم قالوا‏:‏ إنَّ محمداً وأصحابه أكلة رأس ‏[‏أًيْ‏:‏ قليلو العدد‏]‏ وأنَّهم لا يرجعون من هذا الوجه أبداً، فقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وظننتم ظنَّ السوء وكنتم قوماً بُوْراً‏}‏ هالكين عند الله تعالى بهذا الظَّنِّ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 18‏]‏

‏{‏سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا ‏(‏15‏)‏ قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ‏(‏16‏)‏ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا ‏(‏17‏)‏ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ‏(‏18‏)‏‏}‏

‏{‏سيقول المخلفون‏}‏ يعني‏:‏ هؤلاء‏:‏ ‏{‏إذا انطلقتم إلى مغانم‏}‏ يعني‏:‏ غنائم خيبر ‏{‏ذرونا نتبعكم‏}‏ إلى خيبر فنشهد معكم‏.‏ ‏{‏يريدون أن يبدلوا كلام الله‏}‏ يغيّروا وعد الله الذي وعد أهل الحديبية، وذلك أنَّ الله تعالى حكم لهم بغنائم خيبر دون غيرهم‏.‏ ‏{‏قل لن تتبعونا‏}‏ إلى خيبر ‏{‏كذلكم قال الله من قبل‏}‏ ‏[‏أَيْ‏:‏ من قبل‏]‏ مرجعنا إليكم، إنَّ غنيمة خيبر لمّنْ شهد الحديبية دون غيرهم ‏{‏فسيقولون بل تحسدوننا‏}‏ أن نصيب معكم من الغنائم‏.‏

‏{‏قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم‏}‏ إلى قتال قوم ‏{‏أولي بأس شديد‏}‏ وهم فارس والرُّوم‏.‏ وقيل‏:‏ بنو حنيفة أصحاب اليمامة‏.‏ ‏{‏تقاتلونهم أو يسلمون‏}‏ يعني‏:‏ أو هم يسلمون ‏[‏أصحاب مسيلمة الكذاب‏]‏ فيترك قتالهم ‏{‏فإن تطيعوا‏}‏ مَنْ دعاكم إلى قتالهم ‏{‏يؤتكم الله أجراً حسناً وإن تتولوا كما توليتم من قبل‏}‏ عام الحديبية، يعني‏:‏ نافقتم وتركتم الجهاد ‏{‏يعذِّبكم عذاباً أليماً‏}‏‏.‏ ثم ذكر أهل العُذر في التَّخلُّف عن الجهاد فقال‏:‏

‏{‏ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ ثمَّ ذكر خبر مَنْ أخلص نيَّته فقال‏:‏

‏{‏لقد رضي الله عن المؤمنين‏}‏ وكانوا ألفاً وأربعمائة ‏{‏إذ يبايعونك‏}‏ بالحديبية على أن يناجزوا قريشاً ولا يفرُّوا ‏{‏تحت الشجرة‏}‏ يعني‏:‏ سمرة كانت هنالك، وهذه البيعة تسمَّى بيعة الرِّضوان ‏{‏فعلم ما في قلوبهم‏}‏ من الإِخلاص والوفاء ‏{‏فأنزل‏}‏ الله ‏{‏السكينة عليهم‏}‏ وهي الطُّمأنينة وثلج الصدر بالنُّصرة من الله تعالى‏:‏ لرسوله ‏{‏وأثابهم فتحاً قريباً‏}‏ أَيْ‏:‏ فتح خيبر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏19- 24‏]‏

‏{‏وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ‏(‏19‏)‏ وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ‏(‏20‏)‏ وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ‏(‏21‏)‏ وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ‏(‏22‏)‏ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ‏(‏23‏)‏ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ‏(‏24‏)‏‏}‏

‏{‏ومغانم كثيرة يأخذونها‏}‏ يعني‏:‏ عقار خيبر وأموالها‏.‏

‏{‏وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها‏}‏ وهي الفتوح التي تفتح لهم إلى يوم القيامة، ‏{‏فعجَّل لكم هذه‏}‏ يعني‏:‏ خيبر ‏{‏وكفَّ أيدي الناس عنكم‏}‏ لما خرجوا وخلفوا عيالهم بالمدينة حفظ الله عليهم عيالهم، وقد همَّت اليهود بهم، فقذف الله في قلوبهم الرُّعب، فانصرفوا ‏{‏ولتكون‏}‏ هزيمتهم وسلامتكم ‏{‏آية للمؤمنين ويهديكم صراطاً مستقيماً‏}‏ يعني‏:‏ طريق التَّوكُّل وتفويض الأمر إلى الله سبحانه في كلِّ شيء‏.‏

‏{‏وأخرى‏}‏ أَيْ‏:‏ ومغانم أخرى ‏{‏لم تقدروا عليها‏}‏ يعني‏:‏ فارس والرُّوم ‏{‏قد أحاط الله بها‏}‏ علم أنَّه يفتحها لكم‏.‏

‏{‏ولو قاتلكم الذين كفروا‏}‏ أَيْ‏:‏ أهل مكَّة لو قاتلوكم عام الحديبية ‏{‏لولوا الأدبار‏}‏ لانهزموا عنك، ولنصرت عليهم‏.‏

‏{‏سنة الله‏}‏ كسنَّة الله في النُّصرة لأوليائه‏.‏

‏{‏وهو الذي كفَّ أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة‏}‏ مَنَّ الله سبحانه على المؤمنين بما أوقع من صلح الحديبية، فكفَّهم عن القتال بمكَّة، وذكر حُسن عاقبة ذلك في الآية الثَّانية‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏من بعد أن أظفركم عليهم‏}‏ وذلك أنَّ رجالاً من قريش طافوا بعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك العام ليصيبوا منهم، فأُخذوا وأُتي بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعفا عنهم وخلَّى سبيلهم، وكان ذلك سبب الصُّلح بينهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏25- 28‏]‏

‏{‏هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ‏(‏25‏)‏ إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ‏(‏26‏)‏ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ‏(‏27‏)‏ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ‏(‏28‏)‏‏}‏

‏{‏هم الذين كفروا‏}‏ يعني‏:‏ أهل مكَّة ‏{‏وصدوكم عن المسجد الحرام‏}‏ منعوكم من زيارة البيت ‏{‏والهدي‏}‏ ومنعوا الهدي ‏{‏معكوفاً‏}‏ محبوساً ‏{‏أن يبلغ محله‏}‏ منحره، وكانت سبعين بدنةً‏.‏ ‏{‏ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات‏}‏ بمكَّة ‏{‏لم تعلموهم أن تطؤوهم‏}‏ أَيْ‏:‏ لولا أن تطؤوهم في القتال؛ لأنَّكم لم تعلموهم مؤمنين، وهو وقوله‏:‏ ‏{‏بغير علم‏}‏ ‏{‏فتصيبكم منهم معرَّة‏}‏ ‏[‏كفَّارةٌ و‏]‏ عارٌ وعيبٌ من الكافرين‏.‏ يقولون‏:‏ قتلوا أهل دينهم ‏{‏ليدخل الله في رحمته‏}‏ دينه الإِسلام ‏{‏مَنْ يشاء‏}‏ من أهل مكَّة قبل أن يدخلوها ‏{‏لو تزيلوا‏}‏ تميَّز عنهم هؤلاء المؤمنون ‏{‏لعذَّبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً‏}‏ لأنزلنا بهم ما يكون عذاباً لهم أليماً بأيديكم‏.‏

‏{‏إذْ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حَمِيَّةَ الجاهلية‏}‏ حين صدُّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البيت ‏{‏فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين‏}‏ أَيْ‏:‏ الوقار حين صالحوهم، ولم تأخذهم من الحمية ما أخذهم فيلجُّوا ويقاتلوا‏.‏ ‏{‏وألزمهم كلمة التقوى‏}‏ توحيد الله والإيمان به وبرسوله‏:‏ لا إله إلا الله محمد رسول الله، وقيل‏:‏ يعني‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم، أبى المشركون أن يقبلوا هذا لمَّا أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب كتاب الصُّلح بينهم، وقالوا‏:‏ اكتب باسمك اللَّهم، فقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وكانوا أحقَّ بها وأهلها‏}‏ أَيْ‏:‏ المؤمنون؛ لأنَّ الله اختارهم للإيمان، وكانوا أحقَّ بكلمة التَّقوى من غيرهم‏.‏

‏{‏لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في منامه قبل خروجه عام الحديبية كأنَّه وأصحابه يدخلون مكَّة مُحلِّقين ومُقصِّرين غير خائفين، فلمَّا خرج عام الحديبية كانوا قد وطنوا أنفسهم على دخول مكَّة لرؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمَّا صدُّوا عن البيت راب بعضهم ذلك، فأخبر الله تعالى أنَّ تلك الرُّؤيا صادقةٌ، وأنَّهم يدخلونها إٍن شاء الله آمنين‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏فعلم ما لم تعلموا‏}‏ علم الله تعالى أنًّ الصَّلاح كان في ذاك الصُّلح، ولم تعلموا ذلك‏.‏ ‏{‏فجعل من دون ذلك‏}‏ أَيْ‏:‏ من دون دخولكم المسجد ‏{‏فتحاً قريباً‏}‏ وهو صلح الحديبية، ولم يكن فتحٌ في الإسلام كان أعظم من ذلك؛ لأنَّه دخل في الإسلام في تلك السِّنين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر، وقيل‏:‏ يعني‏:‏ فتح خيبر‏.‏

‏{‏هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله‏}‏ ليجعل دين الحقِّ ظاهراً على سائر الأديان عالياً عليها ‏{‏وكفى بالله شهيداً‏}‏ أنَّك مرسلٌ بالحقِّ، ثمَّ حقَّق الله تلك الشَّهادة وبيَّنها‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏29‏]‏

‏{‏مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ‏(‏29‏)‏‏}‏

‏{‏محمد رسول الله والذين معه‏}‏ من المؤمنين ‏{‏أشداء‏}‏ غلاظٌ ‏{‏على الكفار رحماء بينهم‏}‏ متوادُّون متعاطفون ‏{‏تراهم ركعاً سجداً‏}‏ في صلواتهم ‏{‏يبتغون فضلاً من الله‏}‏ أني يدخلهم الجنَّة ‏{‏ورضواناً‏}‏ أن يرضى عنهم ‏{‏سيماهم‏}‏ علامتهم ‏{‏في وجهوههم من أثر السجود‏}‏ يعني‏:‏ نوراً وبياضاً في وجوههم يوم القيامة، يُعرفون بذلك النُّور أنَّهم سجدوا في دار الدُّنيا لله تعالى‏.‏ ‏{‏ذلك مثلهم‏}‏ صفة محمَّد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ‏{‏في التوراة، ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه‏}‏ فراخه ونباته ‏{‏فآزره‏}‏ قوَّاه وأعانه، أيْ‏:‏ قوَّى الشَّطأ الزَّرع، كما قوَّى أمر محمَّد وأصحابه، والمعنى‏:‏ أنَّهم يكونون قليلاً ثمَّ يكثرون، وهذا مثل ضربه الله تعالى لنبيِّه عليه السَّلام إذ خرج وحده، فأيَّده بأصحابه كما قوَّى الطَّاقة من الزرع بما ينبت حوله ‏{‏فاستغلظ‏}‏ فَغَلُظَ وقوِيَ‏.‏ ‏{‏فاستوى‏}‏ ثمَّ تلاحق نباته وقام على ‏{‏سوقه‏}‏ جمع ساق ‏{‏يعجب الزراع‏}‏ بحسن نباته واستوائه ‏{‏ليغيظ بهم الكفار‏}‏ فعل الله تعالى ذلك بمحمَّد وأصحابه ليغيظ بهم أهل الكفر‏.‏ ‏{‏وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم‏}‏ أَيْ‏:‏ من أصحاب عليه السَّلام ‏{‏مغفرة وأجراً عظيماً‏}‏‏.‏

سورة الحجرات

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 6‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ‏(‏1‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ‏(‏2‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ‏(‏3‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ‏(‏4‏)‏ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏5‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ‏(‏6‏)‏‏}‏

‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله‏}‏ أَيْ‏:‏ لا تُقدِّموا خلاف الكتاب والسُّنَّة‏.‏ وقيل‏:‏ لا تذبحوا قبل أن يذبح النبيُّ عليه السَّلام في الأضحى وقيل‏:‏ لا تصوموا قبل صومه‏.‏ نزلت في النَّهي عن صوم يوم الشَّكِّ، والمعنى‏:‏ لا تسبقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيءٍ حتى يكون هو الذي يأمركم به ‏{‏واتقوا الله‏}‏ في مخالفة أمره ‏{‏إنَّ الله سميع‏}‏ لأقوالكم ‏{‏عليم‏}‏ بأحوالكم‏.‏

‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيّ‏}‏ نزلت في ثابت ابن قيس بن شماس، وكان جهوريَّ الصَّوت، وربَّما كان يُكلِّم رسول الله صلى الله عليه وسلم فينادي بصوته، فأُمروا بغضِّ الصَّوت عند مخاطبته ‏{‏ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض‏}‏ لا تُنزِّلوه منزلة بعضكم من بعضٍ، فتقولوا‏:‏ يا محمد، ولكن خاطبوه بالنبوَّة والسَّكينة والإِعظام ‏{‏أن تحبط أعمالكم‏}‏ كي لا تبطل حسناتكم ‏{‏وأنتم لا تشعرون‏}‏ أنَّ خطابه بالجهر ورفع الصَّوت فوق صوته يُحبط العمل، فلمَّا نزلت هذه الآية خفض أبو بكر وعمر رضي الله عنهما صوتهما، فما كلَّما النبيَّ صلى الله عليه وسلم إلاَّ كأخي السِّرار، فأنزل الله تعالى‏:‏

‏{‏إنَّ الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى‏}‏ أَيْ‏:‏ اختبرها وأخلصها للتَّقوى‏.‏

‏{‏إن الذين ينادونك من وراء الحجرات‏}‏ نزلت في وفد تميمٍ أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليفاخروه، فنادوا على الباب‏:‏ يا محمَّد، اخرج إلينا؛ فإنَّ مدحنا زينٌ وإنَّ ذمنا شينٌ، فقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏أكثرهم لا يعقلون‏}‏ أَيْ‏:‏ إنَّهم جهَّال، ولو عقلوا لما فاخروا رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

‏{‏ولو أنَّهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم‏}‏ من إيذائهم إيَّاك بالنِّداء على بابك ‏{‏والله غفورٌ رحيم‏}‏ لمَنْ تاب منهم‏.‏

‏{‏يا أيُّها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ‏}‏ نزلت في الوليد بن عقبة بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مُصَّدِّقاً إلى قومٍ كانت بينه وبينهم تِرةٌ في الجاهليَّة، فخاف أن يأتيهم، وانصرف من الطَّريق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال‏:‏ إنَّهم منعوا الصَّدقة وقصدوا قتلي، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا‏}‏ أَيْ‏:‏ فاعلموا صدقه من كذبه ‏{‏أن تصيبوا‏}‏ لئلا تصيبوا ‏{‏قوماً بجهالة‏}‏ وذلك أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم همَّ أن يغزوهم حتى تبيَّن له طاعتهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏7- 11‏]‏

‏{‏وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ‏(‏7‏)‏ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ‏(‏8‏)‏ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ‏(‏9‏)‏ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ‏(‏10‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ‏(‏11‏)‏‏}‏

‏{‏واعلموا أنَّ فيكم رسول الله‏}‏ فلا تقولوا الباطل؛ فإنَّ الله يخبره ‏{‏لو يطيعكم في كثير من الأمر‏}‏ لو أطاع مثل هذا المخبر الذي أخبره بما لا أصل له ‏{‏لعنتم‏}‏ لأثمتم ولهلكتم ‏{‏ولكنَّ الله حبب إليكم الإيمان‏}‏ فأنتم تطيعون الله ورسوله، فلا تقعون في العنت، يعني بهذا‏:‏ المؤمنين المخلصين، ثمَّ أثنى عليهم فقال‏:‏ ‏{‏أولئك هم الراشدون‏}‏‏.‏

‏{‏فضلاً من الله‏}‏ أَيْ‏:‏ الفضل من الله عليهم‏.‏

‏{‏وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا‏}‏ نزلت في جمعين من الأنصار كان بينهما قتالٌ بالأيدي والنِّعال ‏{‏فأصلحوا بينهما‏}‏ بالدُّعاءِ إلى حكم كتاب الله‏.‏ فإن بغت إحداهما على الأخرى ‏[‏أَيْ‏:‏ تعدَّت إحداهما على الأخرى‏]‏ وعدلت عن الحقِّ ‏{‏فقاتلوا‏}‏ الباغية حتى ترجع إلى أمر الله في كتابه‏.‏ ‏{‏فإن فاءت‏}‏ رجعت إلى الحقِّ ‏{‏فأصلحوا بينهما‏}‏ بحملهما على الإِنصاف ‏{‏وأقسطوا‏}‏ وأعدلوا ‏{‏إنَّ الله يحب المقسطين‏}‏‏.‏

‏{‏إنما المؤمنون أخوة‏}‏ في الدين والولاية ‏{‏فأصلحوا بين أخويكم‏}‏ إذا اختلفا واقتتلا ‏{‏واتقوا الله‏}‏ في إصلاح ذات البين ‏{‏لعلكم ترحمون‏}‏ كي ترحموا به‏.‏

‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ نهى الله تعالى المؤمنين والمؤمنات أن يسخر بعضهم من بعض ‏{‏عسى أن يكونوا‏}‏ أَيْ‏:‏ المسخور منه ‏{‏خيراً منهم‏}‏ من السَّاخر، ومعنى السُّخرية ها هنا الازدراء والاحتقار‏.‏ ‏{‏ولا تلمزوا أنفسكم‏}‏ لا يعب بعضكم بعضاً ‏{‏ولا تنابزوا بالألقاب‏}‏ وهو أن يُدعى الرَّجل بلقبٍ يكرهه، نهى الله تعالى عن ذلك‏.‏ ‏{‏بئس الاسم الفسوق بعد الإِيمان‏}‏ يعني‏:‏ إنَّ السُّخرية واللَّمز والتَّنابز فسوقٌ بالمؤمنين، وبئس ذلك بعد الإِيمان‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏12- 14‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ‏(‏12‏)‏ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ‏(‏13‏)‏ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏14‏)‏‏}‏

‏{‏يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إنَّ بعض الظن إثم‏}‏ وهو أنْ يظنَّ السُّوء بأهل الخير، وبمن لا يُعلم منه فسقٌ‏.‏ ‏{‏ولا تجسسوا‏}‏ لا تطلبوا عورات المسلمين، ولا تبحثوا عن معايبهم ‏{‏ولا يغتب بعضكم بعضاً‏}‏ لا تذكروا أحدكم بشيءٍ يكرهه وإن كان فيه ذلك الشَّيء‏.‏ ‏{‏أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً‏}‏ يعني‏:‏ إنَّ ذكرك أخاك على غيبةٍ بسوءٍ كأكل لحمه وهو ميِّت، لا يحسُّ بذلك‏.‏ ‏{‏فكرهتموه‏}‏ إنْ كرهتم أكل لحمه ميتاً فاكرهوا ذكره بسوءٍ‏.‏

‏{‏يا أيها الناس إنَّا خلقناكم من ذكر وأنثى‏}‏ أَيْ‏:‏ كلُّكم بنو أبٍ واحدٍ وأمٍّ واحدةٍ، فلا تفاضل بينكم في النَّسب ‏{‏وجعلناكم شعوباً‏}‏ وهي رؤوس القبائل، كربيعة ومضر ‏{‏وقبائل‏}‏ وهي دون الشُّعوب كبكر من ربيعة، وتميم من مضر ‏{‏لتعارفوا‏}‏ ليعرف بعضكم بعضاً في قرب النَّسب وبعده لا لتتفاخروا بها، ثمَّ أعلم أنَّ أرفعهم عنده منزلةً أتقاهم، فقال‏:‏ ‏{‏إن أكرمكم عند الله أتقاكم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏

‏{‏قالت الأعراب آمنا‏}‏ نزلت في نفرٍ من بني أسدٍ قدموا المدينة في سنةٍ جدبةٍ بذراريَّهم، وأظهروا كلمة الشَّهادة، ولم يكونوا مؤمنين في السِّرِّ، فقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا‏}‏ أَيْ‏:‏ لم تُصدِّقوا الله ورسوله بقلوبكم ولكن أظهرتم الطَّاعة مخافة القتل والسَّبي ‏{‏ولما يدخل الإِيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله‏}‏ ظاهراً وباطناً ‏{‏لا يلتكم‏}‏ لا ينقصكم ‏{‏من‏}‏ ثواب ‏{‏أعمالكم شيئاً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ ثمَّ بيَّن حقيقة الإيمان والمؤمن‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 17‏]‏

‏{‏إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ‏(‏15‏)‏ قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ‏(‏16‏)‏ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏17‏)‏‏}‏

‏{‏إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون‏}‏‏.‏ أَيْ‏:‏ هؤلاء هم الذين صدقوا في إيمانهم، لا مَنْ أسلم خوف السَّيف، ورجاء المنفعة، فلمَّا نزلت الآيتان جاءت الأعراب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحلفوا بالله أنَّهم مؤمنون، وعلم الله غير ذلك منهم، فأنزل الله تعالى‏:‏

‏{‏قل أتعلمون الله بدينكم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ أيْ‏:‏ أَتُعَلِّمونه بما أنتم عليه وهو يعلم ذلك‏.‏

‏{‏يمنون عليك أن أسلموا‏}‏ وذلك أنَّهم كانوا يقولون لنبيِّ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أتيناك بالعيال والأثقال طوعاً، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلانٍ فأعطنا، فقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏قل لا تمنوا عليَّ‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏إن كنتم صادقين‏}‏ أنَّكم مؤمنون، أَيْ‏:‏ لله المنَّةُ إن صدقتم في إيمانكم لا لكم‏.‏

سورة ق

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 4‏]‏

‏{‏ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ ‏(‏1‏)‏ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ ‏(‏2‏)‏ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ‏(‏3‏)‏ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ‏(‏4‏)‏‏}‏

‏{‏ق‏}‏ قُضي ما هو كائنٌ ‏[‏إلى يوم القيامة‏]‏ ‏{‏والقرآن المجيد‏}‏ ‏[‏الكبير القدر و‏]‏ الكثير الخير‏.‏

‏{‏بل عجبوا‏}‏ يعني‏:‏ كفَّار مكَّة ‏{‏أن جاءهم منذر منهم‏}‏ محمدٌ عليه السَّلام، وهم يعرفون نسبه وأمانته ‏{‏فقال الكافرون هذا شيء عجيب‏}‏ يعني‏:‏ هذا الإنذار الذي ينذرنا‏.‏

‏{‏أإذا متنا وكنا تراباً‏}‏ نُبعث‏؟‏ وهذا استفهامُ إنكارٍ، وجوابه محذوفٌ، ثمَّ انكروا ذلك أصلاً، فقالوا‏:‏ ‏{‏ذلك‏}‏ أَيْ‏:‏ البعث ‏{‏رجع بعيد‏}‏ ردٌّ لا يكون‏.‏ قال الله تعالى‏:‏

‏{‏قد علمنا ما تنقص الأرض منهم‏}‏ ما تأكل من لحومهم ‏{‏وعندنا كتاب حفيظ‏}‏ أَي‏:‏ ْ اللَّوح المحفوظ من أن يدرس ويتغيَّر، وفيه جميع الأشياء المقدَّرة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏5- 11‏]‏

‏{‏بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ ‏(‏5‏)‏ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ‏(‏6‏)‏ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ‏(‏7‏)‏ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ‏(‏8‏)‏ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ‏(‏9‏)‏ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ ‏(‏10‏)‏ رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ ‏(‏11‏)‏‏}‏

‏{‏بل كذَّبوا بالحق‏}‏ أَيْ‏:‏ بالقرآن ‏{‏لما جاءهم فهم في أمرٍ مريج‏}‏ مُلتبسٍ عليهم، مرَّةً يقولون للنبيِّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ساحرٌ، ومرَّةً‏:‏ شاعرٌ ومرَّةً‏:‏ مُعلَّمٌ، ثمَّ دلَّهم على قدرته فقال‏:‏

‏{‏أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ومالها من فروج‏}‏ شقوق‏.‏ وقوله‏:‏

‏{‏من كلِّ زوج بهيج‏}‏ أَيْ‏:‏ من كلِّ لونٍ حسنٍ‏.‏

‏{‏تبصرة‏}‏ فعلنا ذلك تبصيراً وتذكيراً ودلالةً على قدرتنا ‏{‏لكلِّ عبد منيب‏}‏ يرجع إلى الله تعالى، فيتفكَّر في قدرته‏.‏ وقوله‏:‏

‏{‏وحبَّ الحصيد‏}‏ أَيْ‏:‏ ما يُقتات من الحبوب‏.‏

‏{‏والنخل باسقات‏}‏ طوالاً ‏{‏لها طلع نضيد‏}‏ ثمرٌ متراكبٌ‏.‏

‏{‏رزقاً للعباد‏}‏ أَيْ‏:‏ آتينا هذه الأشياء للرِّزق ‏{‏وأحيينا به‏}‏ بذلك الماء ‏{‏بلدة ميتاً كذلك الخروج‏}‏ من القبور‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏14- 25‏]‏

‏{‏وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ‏(‏14‏)‏ أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ‏(‏15‏)‏ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ‏(‏16‏)‏ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ‏(‏17‏)‏ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ‏(‏18‏)‏ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ‏(‏19‏)‏ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ‏(‏20‏)‏ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ‏(‏21‏)‏ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ‏(‏22‏)‏ وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ‏(‏23‏)‏ أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ‏(‏24‏)‏ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ ‏(‏25‏)‏‏}‏

‏{‏وقوم تبع‏}‏ وهو ملكٌ كان باليمن أسلم، ودعا قومه إلى الإِسلام فكذَّبوه وقوله‏:‏ ‏{‏فحقَّ وعيد‏}‏ وجب عليهم العذاب‏.‏

‏{‏أفعيينا بالخلق الأول‏}‏ أَيْ‏:‏ أَعجزنا عنه حتى نعيى بالإعادة ‏{‏بل هم في لبس‏}‏ شكٍّ ‏{‏من خلق جديد‏}‏ أَيْ‏:‏ البعث‏.‏

‏{‏ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه‏}‏ يحدثه قلبه ‏{‏ونحن أقرب إليه‏}‏ بالعلم ‏{‏من حبل الوريد‏}‏ وهو عرقٌ في العنق‏.‏

‏{‏إذ يتلقى المتلقيان‏}‏ أَيْ‏:‏ المَلكان الحافظان يتلقَّيان ويأخذان ما يعمله الإنسان، فيثبتانه‏.‏ ‏{‏عن اليمين وعن الشمال قعيد‏}‏ قاعدان على جانبيه‏.‏

‏{‏ما يلفظ‏}‏ يتكلَّم ‏{‏من قول إلاَّ لديه رقيب‏}‏ حافظٌ ‏{‏عتيد‏}‏ حاضر‏.‏

‏{‏وجاءت سكرة الموت‏}‏ أَيْ‏:‏ غمرته وشدَّته ‏{‏بالحق‏}‏ أَيْ‏:‏ من أمر الآخرة حتى يراه الإنسان عياناً‏.‏ ‏{‏ذلك ما كنت منه تحيد‏}‏ أَي‏:‏ ْ تهرب وتروغ‏:‏ يعني‏:‏ الموت‏.‏

‏{‏ونفخ في الصور‏}‏ أَيْ‏:‏ نفخة البعث‏.‏ ‏{‏وذلك يوم الوعيد‏}‏ الذي يُوعد الله به الكفَّار‏.‏

‏{‏وجاءت كلُّ نفس‏}‏ إلى المحشر ‏{‏معها سائق‏}‏ من الملائكة يسوقها ‏{‏وشهيد‏}‏ شاهدٌ عليها بعملها، وهو الأيدي والأرجل، فيقول الله تعالى‏:‏

‏{‏لقد كنت في غفلة هذا‏}‏ اليوم ‏{‏فكشفنا عنك غطاءك‏}‏ فخلينا عنك سترك حتى عاينته ‏{‏فبصرك اليوم حديد‏}‏ فعلمك بما أنت فيه نافذٌ‏.‏

‏{‏وقال قرينه‏}‏ أَيْ‏:‏ المَلك الموَّكل به‏:‏ ‏{‏هذا ما لديَّ عتيد‏}‏ هذا الذي وكَّلتني به قد أحضرته، فأحضرت ديوان أعماله، فيقول الله للملَكين الموكَّلين بالإِنسان‏:‏

‏{‏ألقيا في جهنم كلَّ كفار عنيد‏}‏ عاصٍ مُعرضٍ عن الحقِّ‏.‏

‏{‏مناع للخير‏}‏ للزَّكاة المفروضة وكلِّ حقٍّ في ماله ‏{‏معتد‏}‏ ظالمٍ ‏{‏مريب‏}‏ شاكٍّ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏27- 42‏]‏

‏{‏قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ ‏(‏27‏)‏ قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ‏(‏28‏)‏ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ‏(‏29‏)‏ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ‏(‏30‏)‏ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ‏(‏31‏)‏ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ‏(‏32‏)‏ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ‏(‏33‏)‏ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ ‏(‏34‏)‏ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ‏(‏35‏)‏ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ ‏(‏36‏)‏ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ‏(‏37‏)‏ وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ ‏(‏38‏)‏ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ‏(‏39‏)‏ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ ‏(‏40‏)‏ وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ‏(‏41‏)‏ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ ‏(‏42‏)‏‏}‏

‏{‏قال قرينه‏}‏ من الشَّياطين‏:‏ ‏{‏ربنا ما أطغيته‏}‏ ما أضللته ‏{‏ولكن كان في ضلال بعيد‏}‏ أَيْ‏:‏ إنَّما طغى هو بضلاله، وإنَّما دعوته فاستجاب لي، كما قال في الإخبار عن الشَّيطان‏:‏ ‏{‏إلاَّ أنْ دعوتُكم فاستجبتُمْ لي‏}‏ فحينئذٍ يقول الله‏:‏

‏{‏لا تختصموا لدي وقد قدَّمت إليكم بالوعيد‏}‏ حذَّرتكم العقوبة في الدُّنيا على لسان الرُّسل‏.‏

‏{‏ما يبدل القول لدي‏}‏ لا تبديل لقولي ولا خلف لوعدي ‏{‏وما أنا بظلام للعبيد‏}‏ فأعاقب بغير جرم‏.‏

‏{‏يوم نقول لجهنم هل امتلأت‏}‏ وهذا استفهامُ تحقيقٍ، وذلك أنَّ الله عزَّ وجلَّ وعدها أن يملأها، فلمَّا ملأها قال لها‏:‏ ‏{‏هل امتلأت وتقول هل من مزيد‏}‏ أَيْ‏:‏ هل بقي فيَّ موضعٌ لم يمتلئ، أيْ‏:‏ قد امتلأت‏.‏

‏{‏وأزلفت الجنة‏}‏ أُدنيت الجنَّة ‏{‏للمتقين‏}‏ حتى يروها ‏{‏غير بعيد‏}‏ منهم، ويقال لهم‏:‏

‏{‏هذا ما توعدون لكلِّ أوَّاب‏}‏ رجَّاع إلى الله بالطًّاعة ‏{‏حفيظ‏}‏ حافظ لأمر الله‏.‏

‏{‏من خشي الرحمن بالغيب‏}‏ خاف الله ولم يره ‏{‏وجاء بقلب منيب‏}‏ مقبلٍ إلى طاعة الله‏.‏ يقال لهم‏:‏

‏{‏ادخلوها بسلام‏}‏ بسلامةٍ من العذاب ‏{‏ذلك يوم الخلود‏}‏ لأهل الجنَّة فيها‏.‏

‏{‏لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد‏}‏ زيادةٌ ممَّا لم يخطر ببالهم‏.‏ وقيل هو الرُّؤية‏.‏

‏{‏وكم أهلكنا قبلهم‏}‏ قبل أهل مكَّة ‏{‏من قرنٍ‏}‏ جماعةٍ من النَّاس ‏{‏هم أشدُّ منهم بطشاً فَنَقَّبوا‏}‏ طوَّفوا البلاد وفتَّشوا، فلم يروا محيصاً من الموت‏.‏

‏{‏إن في ذلك‏}‏ الذي ذكرت ‏{‏لذكرى‏}‏ لعظةً وتذكيراً ‏{‏لمن كان له قلب‏}‏ أَيْ‏:‏ عقلٌ ‏{‏أو ألقى السمع‏}‏ أَيْ‏:‏ استمع القرآن ‏{‏وهو شهيد‏}‏ حاضر القلب‏.‏ وقوله‏:‏

‏{‏وما مسنا من لغوب‏}‏ أَيْ‏:‏ وما أصابنا تعبٌ وإعياءٌ، وهذا ردٌّ على اليهود في قولهم‏:‏ إنَّ الله تعالى استراح يوم السَّبت‏.‏

‏{‏فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك‏}‏ صلِّ لله ‏{‏قبل طلوع الشمس‏}‏ أَيْ‏:‏ صلاة الفجر ‏{‏وقبل الغروب‏}‏ صلاة الظهر والعصر‏.‏

‏{‏ومن الليل فسبحه‏}‏ أَيْ‏:‏ صلاتي العشاء ‏{‏وأدبار السجود‏}‏ أَيْ‏:‏ الرَّكعتين بعد المغرب‏.‏

‏{‏واستمع‏}‏ يا محمد ‏{‏يوم ينادي المنادي‏}‏ وهو إسرافيل عليه السَّلام يقول‏:‏ أيَّتها العظام البالية، واللُّحوم المُتمزِّقة، إنَّ الله يأمركنَّ أن تجتمعن لفصل القضاء ‏{‏من مكان قريب‏}‏ من السِّماء، وهو صخرة بيت المقدس أقرب موضعٍ من الأرض إلى السَّماء‏.‏

‏{‏يوم يسمعون الصيحة بالحق‏}‏ أَيْ‏:‏ نفخة البعث ‏{‏ذلك يوم الخروج‏}‏ من القبور‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏44- 45‏]‏

‏{‏يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ ‏(‏44‏)‏ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ ‏(‏45‏)‏‏}‏

‏{‏يوم تشقق الأرض عنهم‏}‏ فيخرجون ‏{‏سراعاً‏}‏‏.‏

‏{‏وما أنت عليهم بجبار‏}‏ بمسلِّطٍ يجبرهم على الإسلام، وهذا قبل أن يؤمر بالقتال ‏{‏فذكِّر‏}‏ فعظ ‏{‏بالقرآن مَنْ يخاف وعيد‏}‏‏.‏

سورة الذاريات

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 8‏]‏

‏{‏وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا ‏(‏1‏)‏ فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا ‏(‏2‏)‏ فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا ‏(‏3‏)‏ فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا ‏(‏4‏)‏ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ ‏(‏5‏)‏ وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ ‏(‏6‏)‏ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ ‏(‏7‏)‏ إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ‏(‏8‏)‏‏}‏

‏{‏والذاريات ذرواً‏}‏ أي‏:‏ الرِّياح التي تذرو التُّراب‏.‏

‏{‏فالحاملات وقراً‏}‏ وهي السَّحاب تحمل الماء‏.‏

‏{‏فالجاريات يسراً‏}‏ السُّفن تجري في البحر بيسرٍ ‏{‏فالمقسمات أمراً‏}‏ الملائكة تأتي بأمرٍ مختلفٍ من الخصب والجدب، والمطر والموت، والحوادث‏.‏

‏{‏إن ما توعدون‏}‏ من الخير والشَّرِّ، والثَّواب والعقاب ‏{‏لصادق‏}‏‏.‏ أقسم الله بهذه الأشياء على صدق وعده‏.‏

‏{‏وإنَّ الدين‏}‏ الجزاء على الأعمال ‏{‏لواقع‏}‏ لكائنٌ‏.‏

‏{‏والسماء ذات الحبك‏}‏ الخَلْق الحسن‏.‏

‏{‏إنكم‏}‏ يا أهل مكَّة ‏{‏لفي قول مختلف‏}‏ في أمر النبيِّ صلى الله عليه وسلم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏9- 17‏]‏

‏{‏يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ‏(‏9‏)‏ قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ ‏(‏10‏)‏ الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ ‏(‏11‏)‏ يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ ‏(‏12‏)‏ يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ‏(‏13‏)‏ ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ‏(‏14‏)‏ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ‏(‏15‏)‏ آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ‏(‏16‏)‏ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ‏(‏17‏)‏‏}‏

‏{‏يؤفك عنه‏}‏ يُصرف عن الإيمان به ‏{‏مَنْ أفك‏}‏ صُرف عن الخير‏.‏

‏{‏قتل الخراصون‏}‏ لُعن الكذَّابون، يعني‏:‏ المُقتسمين‏.‏

‏{‏الذين هم في غمرة‏}‏ غفلةٍ ‏{‏ساهون‏}‏ لاهون‏.‏

‏{‏يسألون أيان يوم الدين‏}‏ متى يوم الجزاء‏؟‏ استهزاءً منهم‏.‏ قال الله تعالى‏:‏

‏{‏يوم هم على النار يفتنون‏}‏ أي‏:‏ يقع الجزاء يوم هم على النَّار يُفتنون يُحرَّقون ويُعذَّبون، وتقول لهم الخزنة‏:‏

‏{‏ذوقوا فتنتكم‏}‏ عذابكم ‏{‏هذا الذي كنتم به تستعجلون‏}‏ في الدُّنيا‏.‏

‏{‏إنَّ المتقين في جنات وعيون‏}‏‏.‏

‏{‏آخذين ما آتاهم ربهم‏}‏ من الثَّواب والكرامة ‏{‏إنهم كانوا قبل ذلك‏}‏ قبل دخولهم الجنَّة ‏{‏محسنين‏}‏‏.‏

‏{‏كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون‏}‏ كانوا ينامون قليلاً من اللَّيل‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏19- 26‏]‏

‏{‏وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ‏(‏19‏)‏ وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ‏(‏20‏)‏ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ‏(‏21‏)‏ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ‏(‏22‏)‏ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ‏(‏23‏)‏ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ‏(‏24‏)‏ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ‏(‏25‏)‏ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ‏(‏26‏)‏‏}‏

‏{‏وفي أموالهم حق للسائل والمحروم‏}‏ وهو الذي لا يسأل النَّاس ولا يكتسب‏.‏

‏{‏وفي الأرض آيات‏}‏ دلالاتٌ على قدرة الله تعالى ووحدانيته ‏{‏للموقنين‏}‏‏.‏

‏{‏وفي أنفسكم‏}‏ أيضاً آياتٌ من تركيب الخلق، وعجائب ما في الآدمي من خلقه ‏{‏أفلا تبصرون‏}‏ ذلك‏.‏

‏{‏وفي السماء رزقكم‏}‏ أَي‏:‏ الثَّلج والمطر الذي هو سبب الرِّزق والنَّبات من الأرض ‏{‏وما توعدون‏}‏ ‏"‏ ما ‏"‏ ابتداءٌ، وخبره محذوفٌ على تقدير‏:‏ وما توعدون من البعث والثَّواب والعقاب حقٌّ، ودلَّ على هذا المحذوف قوله‏:‏

‏{‏فوربِّ السماء والأرض إنَّه لحقٌّ مثل ما أنكم تنطقون‏}‏ أَيْ‏:‏ كما أنَّكم تتكلَّمون، أي‏:‏ إنَّه معلومٌ بالدَّليل كما إِنَّ كلامكم إذا تكلّمتم معلومٌ لكم ضرورةً أنَّكم تتكلَّمون، و‏"‏ مثلُ ‏"‏ رفع لأنَّه صفةٌ لقوله‏:‏ ‏"‏ لحق ‏"‏، ومَنْ نصب أراد‏:‏ إنَّه لحقّ حقاً مثلَ ما أنّكم تنطقون‏.‏

‏{‏هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين‏}‏ بأن خدمهم بنفسه‏.‏

‏{‏إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً‏}‏ سلَّموا سلاماً ‏{‏قال سلامٌ‏}‏ عليكم ‏{‏قوم منكرون‏}‏ أي‏:‏ أنتم قوم لا نعرفكم‏.‏

‏{‏فراغ‏}‏ فعدل ومال ‏{‏إلى أهله‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏28- 42‏]‏

‏{‏فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ ‏(‏28‏)‏ فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ ‏(‏29‏)‏ قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ‏(‏30‏)‏ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ ‏(‏31‏)‏ قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ‏(‏32‏)‏ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ ‏(‏33‏)‏ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ ‏(‏34‏)‏ فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏35‏)‏ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ‏(‏36‏)‏ وَتَرَكْنَا فِيهَا آَيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ‏(‏37‏)‏ وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ‏(‏38‏)‏ فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ‏(‏39‏)‏ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ ‏(‏40‏)‏ وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ ‏(‏41‏)‏ مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ ‏(‏42‏)‏‏}‏

‏{‏فأوجس منهم خيفة‏}‏ أَيْ‏:‏ وقع في نفسه الخوف منهم، وقوله‏:‏

‏{‏فأقبلت امرأته في صرَّة‏}‏ أَيْ‏:‏ أخذت تصيح بشدَّةٍ ‏{‏فَصَكَّتْ‏}‏ لطمت ‏{‏وجهها وقالت‏}‏‏:‏ أنا ‏{‏عجوز عقيم‏}‏ فكيف ألد‏؟‏

‏{‏قالوا كذلك‏}‏ كما اخبرناك ‏{‏قال ربك‏}‏ أي‏:‏ نخبرك عن الله لا عن أنفسنا ‏{‏إنَّه هو الحكيم العليم‏}‏ يقدر أن يجعل العقيم ولوداً، فلمَّا قالوا ذلك علم إبراهيم أنَّهم رسلٌ، وأنَّهم ملائكة ‏[‏صلوات الله عليهم‏]‏‏.‏

‏{‏قال‏:‏ فما خطبكم‏}‏ أي‏:‏ ما شأنكم وفيمَ أُرسلتم‏؟‏

‏{‏قالوا إنا أُرسلنا إلى قومٍ مجرمين‏}‏ يعنون قوم لوط‏.‏

‏{‏لنرسل عليهم حجارة من طين‏}‏ يعني‏:‏ السِّجيل‏.‏

‏{‏مسوَّمة عند ربك للمسرفين‏}‏ مًعلَّمة على كلِّ حجرٍ منها اسم مَنْ يهلك به‏.‏

‏{‏فأخرجنا مَنْ كان فيها‏}‏ يعني‏:‏ من قرى قوم لوطٍ ‏{‏من المؤمنين‏}‏‏.‏

‏{‏فلما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين‏}‏ يعني‏:‏ بيت لوطٍ عليه السَّلام‏.‏

‏{‏وتركنا فيها‏}‏ بأهلاكهم ‏{‏آية‏}‏ علامة للخائفين تدلُّ على أنَّ الله أهلكهم‏.‏

‏{‏وفي موسى‏}‏ عطفٌ على قوله‏:‏ ‏"‏ وفي الأرض ‏"‏‏.‏ ‏{‏إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين‏}‏ بحجَّةٍ واضحةٍ‏.‏

‏{‏فتولى‏}‏ فأعرض عن الإيمان ‏{‏بركنه‏}‏ مع جنوده وما كان يتقوَّى به‏.‏ وقوله‏:‏

‏{‏وهو مليم‏}‏ أَيْ‏:‏ أتى ما يُلام عليه‏.‏

‏{‏وفي عاد‏}‏ أيضاً آيةٌ ‏{‏إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم‏}‏ وهي التي لا بركة فيها، ولا تأتي بخيرٍ‏.‏

‏{‏ما تذر من شيء أتت عليه إلاَّ جعلته كالرميم‏}‏ كالنَّبت الذي قد تحطَّم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏43- 50‏]‏

‏{‏وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ ‏(‏43‏)‏ فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ‏(‏44‏)‏ فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ ‏(‏45‏)‏ وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ‏(‏46‏)‏ وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ‏(‏47‏)‏ وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ ‏(‏48‏)‏ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ‏(‏49‏)‏ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ‏(‏50‏)‏‏}‏

‏{‏وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين‏}‏ إلى فناء آجالكم‏.‏

‏{‏فعتوا عن أمر ربهم‏}‏ عصوه ‏{‏فأخذتهم الصاعقة‏}‏ العذاب المهلك‏.‏

‏{‏فما استطاعوا من قيام‏}‏ أي‏:‏ أن يقوموا بعذاب الله ‏{‏وما كانوا منتصرين‏}‏ أي‏:‏ لم ينصرهم أحدٌ علينا‏.‏

‏{‏وقوم نوح‏}‏ وأهلكنا قوم نوحٍ قبل هؤلاء‏.‏

‏{‏والسماء بنيناها بأيدٍ‏}‏ بقوَّةٍ ‏{‏وإنا لموسعون‏}‏ لقادرون‏.‏ وقيل‏:‏ جاعلون بين السَّماء والأرض سعةً‏.‏

‏{‏والأرض فرشناها‏}‏ مهَّدناها لكم ‏{‏فنعم الماهدون‏}‏ نحن‏.‏

‏{‏ومن كل شيء خلقنا زوجين‏}‏ صنفين كالذَّكر والأنثى، والحلو والحامض، والنُّور والظُّلمة ‏{‏لعلكم تذكرون‏}‏ فتعلموا أنَّ خالق الأزواج فردٌ‏.‏

‏{‏ففروا‏}‏ من عذاب الله إلى طاعته‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏52- 60‏]‏

‏{‏كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ‏(‏52‏)‏ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ‏(‏53‏)‏ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ ‏(‏54‏)‏ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏55‏)‏ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ‏(‏56‏)‏ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ‏(‏57‏)‏ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ‏(‏58‏)‏ فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ ‏(‏59‏)‏ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ‏(‏60‏)‏‏}‏

‏{‏كذلك‏}‏ كما أخبرناك ‏{‏ما أتى الذين من قبلهم‏}‏ من قبل أهل مكَّة ‏{‏من رسول إلاَّ قالوا ساحرٌ أو مجنون‏}‏‏.‏

‏{‏أتواصوا به‏}‏ أوصى بعضهم بعضاً بالتَّكذيب، والألف للتَّوبيخ‏.‏ ‏{‏بل هم قوم طاغون‏}‏ عاصون‏.‏

‏{‏فتولًّ عنهم فما أنت بملوم‏}‏ لأنَّك بلغت الرِّسالة‏.‏

‏{‏وذكر‏}‏ ذكِّرهم بأيَّام الله ‏{‏فإنَّ الذكرى تنفع المؤمنين‏}‏‏.‏

‏{‏وما خلقت الجن والإِنس إلاَّ ليعبدون‏}‏ أي‏:‏ إلاَّ لآمرهم بعبادتي وأدعم إليها‏.‏ وقيل‏:‏ أراد المؤمنين منهم، وكذا هو في قراءة ابن عباس‏:‏ ‏"‏ وما خلقت الجن والإِنس من المؤمنين إلاَّ ليعبدون ‏"‏‏.‏ ‏{‏ما أريد منهم من رزق‏}‏ أن يرزقوا أنفسهم أو أحداً من عبادي ‏{‏وما أريد أن يطعمون‏}‏ لأنِّي أنا الرَّزَّاق والمُطعم‏.‏ وقوله‏:‏

‏{‏المتين‏}‏ أي‏:‏ المُبالغ في القُوَّة‏.‏

‏{‏فإنَّ للذين ظلموا‏}‏ أَيْ‏:‏ أهل مكَّة ‏{‏ذنوباً‏}‏ نصيباً من العذاب ‏{‏مثل ذنوب‏}‏ نصيب ‏{‏أصحابهم‏}‏ الذين أُهلكوا ‏{‏فلا يستعجلون‏}‏ إنْ أخَّرتهم إلى يوم القيامة‏.‏

‏{‏فويلٌ للذين كفروا من يومهم الذين يوعدون‏}‏ من يوم القيامة‏.‏